محمد بن جرير الطبري
30
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من قومه . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال ، ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : رجع إلى أهله ، فوجد داره قد بيعت وبنيت ، وهلك من كان يعرفه ، فقال : أخرجوا من داري قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عزير . قالوا : أليس قد هلك عزير منذ كذا وكذا ؟ قال : فإن عزيرا أنا هو ، كان من حالي وكان . فلما عرفوا ذلك ، خرجوا له من الدار ودفعوها إليه . والذي هو أولى بتأويل الآية من القول ، أن يقال : أن الله تعالى ذكره ، أخبر أنه حمل الذي وصف صفته في هذه الآية حجة للناس ، فكان ذلك حجة على من عرفه من ولده وقومه ممن علم موته ، وإحياء الله إياه بعد مماته ، وعلى من بعث إليه منهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها قد دللنا فيما مضى قبل على أن العظام التي أمر بالنظر إليها هي عظام نفسه وحماره ، وذكرنا اختلاف المختلفين في تأويل ذلك وما يعني كل قائل بما قاله في ذلك بما أغنى عن إعادته . وأما قوله : كَيْفَ نُنْشِزُها فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأ بعضهم : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها بضم النون وبالزاي ، وذلك قراءة عامة قراءة الكوفيين ، بمعنى : وانظر كيف نركب بعضها على بعض ، وننقل ذلك إلى مواضع من الجسم . وأصل النشز : الارتفاع ، ومنه قيل : قد نشز الغلام إذا ارتفع طوله وشب ، ومنه نشوز المرأة على زوجها ، ومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأَرض : نشز ونشز ونشاز ، فإذا أردت أنك رفعته ، قلت : أنشزته إنشازا ، ونشز هو : إذا ارتفع . فمعنى قوله : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها في قراءة من قرأ ذلك بالزاي : كيف نرفعها من أماكنها من الأَرض فنردها إلى أماكنها من الجسم . وممن تأول ذلك هذا التأويل جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : كَيْفَ نُنْشِزُها كيف نخرجها . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كَيْفَ نُنْشِزُها قال : نحركها . وقرأ ذلك ننشزها آخرون : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " بضم النون ، قالوا من قول القائل : أنشر الله الموتى فهو ينشرهم إنشارا . وذلك قراءة عامة قراء أهل المدينة ، بمعنى : وانظر إلى العظام كيف نحييها ثم نكسوها لحما . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " كيف ننشرها " قال : انظر إليها حين يحييها الله . حدثنا المثنى قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة مثله . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " قال : كيف نحييها . واحتج بعض قراء ذلك ننشزها بالراء وضم نون أوله بقوله : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ فرأى أن من الصواب إلحاق قوله : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " به . وقرأ ذلك بعضهم : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " بفتح النون من أوله وبالراء ؛ كأنه وجه ذلك إلى مثل معنى نشر الشيء وطيه . وذلك قراءة غير محمودة ، لأَن العرب لا تقول : نشر الموتى ، وإنما تقول : أنشر الله الموتى ، فنشروا هم بمعنى : أحياهم فحيوا هم . ويدل على ذلك قوله : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ وقوله : آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ . وعلى أنه إذا أريد به حيي الميت وعاش بعد مماته ، قيل : نشر ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر وروي سماعا من العرب : كان به جرب فنشر ، إذا عاد وحيي . والقول في ذلك عندي أن معنى الإِنشار ومعنى الإِنشاز متقاربان ، لأَن معنى الإِنشاز : التركيب والإِثبات ورد العظام من العظام وإعادتها لا شك أنه ردها